دراسة الحالة 31- الاستراتيجية الوطنية لصناعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الهند

 حققت الصادرات من البرمجيات في الهند في السنوات العشر الماضية نمواً سنوياً مركباً يقدر بـ 51%، ما جعل صناع القرار في الهند يعتبرون بأن هذا القطاع هو بمثابة محرك النمو، ومصدراً للتوظيف والعملة الصعبة، من بين مزايا أخرى متعددة. وقد حققت شركات البرمجيات الهندية نمواً سريعاً وتوسعاً غير مسبوق في التصدير. وتشكل حصة الهند جزءاً هاماً من سوق البرمجيات العالمي خارج الحدود.  وبالرغم من أن ازدهار الشركات العالمية في ثمانينيات القرن الماضي ساعد في إبراز القدرات التي تمتلكها الهند كقاعدة لصناعة البرمجيات خارج الحدود، إلاّ أن معظم هذا التطوّر يعود إلى ريادة الأعمال والمواهب البشرية التي تفتَّحت فيها. فالعديد من الشركات الهندية التي دخلت الأسواق كانت قد طّورت قدراتها وأثبتت التزامها بالممارسات العالمية الفُضلى في عملية الجودة، ووسّعت امتداداتها الجغرافية، ونوَّعت بشكل تدريجي منتجاتها وخدماتها المعروضة والأسواق التي تخدِّمها. فقد بدأت هذه الشركات كشركات لتوفير موارد بشرية لتولي مهام برمجية في مواقع عمل الزبائن التي عادة ما تكون في أوروبا وأمريكا، لكن العمل اتخذ بعد فترة من الزمن منحىً آخر. فبدلاً من تنفيذ العمل في موقع الزبون في دول أخرى أصبح ينفذ العمل في مقر الشركات الهندية داخل البلد. ثم تطور من خلال الخبرة المكتسبة والتوجه الواعي السليم ليشمل على تشجيع العاملين المتميزين الذين كانوا يعملون في الرِّمَاز البرمجي الروتيني وكتابة البرامج المتواضعة التعقيد التي تشكل قيمة مضافة متدنية في التحول إلى تخصصات ذات القيمة المضافة العالية، كالاستشارات وإعداد الحُزم البرمجية للتطبيقات المتكاملة.  لا تشكل البرمجيات، من المنظور الوطني، أكثر من حصة هامشية لا تتعدى 2% من الناتج القومي الإجمالي، لكنها ساهمت بما يقارب 12% من النمو فيه. وتمثِّل البرمجيات ما يقارب 8% من صادرات الهند من البضائع والخدمات، وتوفر وظائف جديدة لما بين 60,000 و70,000 من المهندسين وخريجي الجامعات من ذوي المواهب العالية سنوياً. يضاف إلى ذلك، الخدمات المدعومة بتكنولوجيا المعلومات كعمليات المكاتب الخلفية ومراكز المساعدة والتدوين الطبي التي تضيف أعداداً أخرى من الوظائف المحتملة.

وقد تشجع طبيعة هذه الأعمال، التي يمكن تنقّل العاملين فيها بسهولة من موقع لآخر ومن بلد لآخر ، إلى المغادرة إلى بلدان أخرى طلباً لأجور أفضل من الأجور المتدنية التي يتقاضونها في بلدهم. وقد يؤدي الطلب على هذا النوع من العمل إلى دخول دول أخرى تمتلك قدرات تنافسية في التسابق على حصة من السوق العالمي للبرمجيات على حساب حصة الهند.

ساعدت الصناعة البرمجية الهند على توسيع قاعدتها المحلية في ريادة الأعمال وخلق علامات تجارية في الصناعات المبنية على المعرفة. وأدّى ذلك، في تسعينيات القرن الماضي، إلى عكس تيار هجرة العقول من جرّاء الفرص المجزية التي تفجّرتْ للمهنيين داخل الهند. وأهم ما جذب الصناعة البرمجية للهند العدد الكبير من الخريجين الشباب اللذين ظهروا عبر عقود من الزمن من خلال الاستثمار في تطوير الموارد البشرية والتعليم. وكنتيجة لهذه النجاحات قامت الحكومة بتوفير التسهيلات الداعمة لنمو هذه الصناعة من خلال إنشاء قنوات اتصال بالحزمة العريضة فائقة السرعة، وتوفير قدرات تكنولوجية لبنىً تحتية داعمة للتطوير البرمجي في حدائق (تشمل حاضنات) للتكنولوجيا البرمجية. وقامت الحكومة بالتشارك مع قطاع الصناعة بعدة مبادرات للاستجابة للتحديات التي تجابه الهند في تبوء الموقع المتقدم والحصة الكبرى من القسمة العالمية للعمل البرمجي. ومن ضمن هذه المبادرات التخطيط لزيادة مخرجات التعليم العالي ومراكز التدريب التي تصب في الصناعة البرمجية وأمور أخرى داعمة. وقد قابلت الشركات بدورها هذه المبادرة بدعم توظيف خبرات متقدمة ومنح الفرص للمواهب المميزة وإعادة التدريب. وتؤكد التطورات بأن عملية إدارة الموارد البشرية قد أصبحت الاستراتيجية الحاكمة للصناعة البرمجية في الهند. كما تحاول الشركات أيضاً توجيه اهتمامها خارج الأراضي والتركيز على تأهيل الاختصاصيين في قطاعات مركزة، بالإضافة إلى الاستشارات العالية المستوى وتصنيع الحزم البرمجية التطبيقية الامتلاكية (Proprietary) وكذلك استراتيجيات التسعير القيمي للمنتج. وعلى الرغم من الأداء المميَّز للصناعة البرمجية في الهند عبر العقود، ليس هناك مجال للتهاون نظراً للمنافسة التي بدأت تظهر في السوق من دول بازغة كالصين والفيليبين، من بين دول أخرى.

ومع أن الشركات الهندية لها السبق في الوصول إلى المستوى الدولي المرموق والنضوج في الصناعة البرمجية، إلاّ أن المنافسة ستبدأ على الأجلين القصير والمتوسط في مجال الخدمات ذات المستوى المتواضع كالرماز البرمجي والبرمجيات المُفصّلة حسب طلبات الزبائن والخدمات المدعومة بتكنولوجيا المعلومات، لكن على الشركات الهندية أن ترتقي بقدراتها في سلسلة القيمة كي تُصبح مصدراً رائداً للمنتجات البرمجية الجاهزة. لكن قد لا يكون من السهل تجاوز الحواجز التي تجابه مثل هذا التحوّل، وقد يكون من المفيد التركيز على الإجراءات التالية:

  • الاهتمام بأنشطة البحث والتطوير وتطوير المنتج؛
  • حيازة استراتيجية لبعض قنوات التسويق والعلامات التجارية العالمية؛
  • إعادة هيكلة الصناعة البرمجية وتعزيزها؛
  • إعادة النظر في إجراءات التوجيه الحكومية.

لقد لعبت حكومة الهند دوراً هاماً في تطوير الصناعة البرمجية من خلال توفير أعداد كبيرة من الموارد البشرية المؤهلة، وتبنّي عدد من المبادرات في إنشاء البنية التحتية المؤسسية لبحوث الحوسبة والشبكات منذ نهاية ستينيات القرن الماضي، وساعدت من خلال التسهيلات التي أقرتها في توفير القدرات البنيوية للحدائق التكنولوجية ووسائل تطوير أخرى. وحصل مصدرو البرمجيات على إعفاءات ضريبية قد تحتاج إلى مراجعة بعد مرور سنوات عديدة. ففي صناعة تتمتع الهند فيها بمزايا تنافسية (لرخص العمالة)، وتحقق من خلالها زيادةً سنويةَ للصادرات تتجاوز 50%، وهامش ربح يقرب 22% من العائد (وهي أعلى من أية صناعة أخرى في الهند) لا يبدو أن هذه الإعفاءات الضريبية ستحقق استدامة راسخة للصناعة البرمجية في الهند في المستقبل.[1]

 


[1]  APCICT, Academy of ICT Essentials for Government Leaders, Module 2, p. 49

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *